ملاحظة قبل القراءة: هذا المقال في أصله أفكار وملاحظات صوتية سجّلتها بنفسي — تولّى «كلود» كتابتها وتحريرها والتحقّق من أرقامها وإضافة مصادرها. الجوهر رأيي أنا؛ والصياغة شراكة بيني وبينه. أنشر الفكرة وهي حيّة بدل أن أنتظرها حتى تكتمل.
بنيتُ أربعين مشروعاً. نجحتُ فيها بحمد الله، ثم تركتُها.
ليست هذه مبالغةً ولا استعراضاً. هو رقمٌ حقيقيٌّ يُثقلني كلّما نظرتُ إليه، لأنني لا أعرف كيف أقرؤه: هل هو سجلُّ إنجاز، أم شهادةٌ على خللٍ ما فيّ؟ لسنواتٍ سألتُ نفسي السؤال نفسه في كلّ مرة: هل هذا مرض، أم نعمة؟
لم أترك مشروعاً قطّ لأنه فشل. المشكلة أنني أدخل المشروع، وأنجح فيه، ثم أصل إلى سقف المعلومات الذي يمنحني إياه — فأتوقّف. لا تعنيني الفلوس بقدر ما يعنيني التعليم. حين يتوقّف المشروع عن أن يعلّمني شيئاً جديداً كلّ يوم، أشعر أنه أفرغ ما عنده، فأرحل باحثاً عن سقفٍ أعلى.
هكذا صرتُ أنظر إلى الرحيل باعتباره العَرَض. أما السؤال الحقيقي فأعمق: هل «سقف المعلومات» وحده كافٍ ليجعل الإنسان سعيداً؟ لأنّ هذا المرض — إن كان مرضاً — ليس نقمةً ولا نعمة في ذاته. هو سببٌ من أسباب البحث عن السعادة. فما الذي أبحث عنه فعلاً حين أترك؟
الشروط الخمسة
ذكرتُ في كلّ لقاءٍ ومقابلةٍ خمسةَ شروط: إذا تحقّقت، فقد تحقّقت السعادة. هي مقياسي، وهي سبب تركي المشاريع حتى الناجحة منها. حين يغيب أحدها، أعرف أنّ الوقت قد حان للرحيل.
الأول — أن أُرضي مجتمعاتي. المجتمع السعودي، والعربي، ومجتمع التجارة، ومجتمع التقنية. أحبّ أن أرى هذه المجتمعات تنمو وتكبر، وأن أقدّم شيئاً يساعدها. فإن بدأتُ مشروعاً لا يساعد في ذلك، مللتُ منه وطفشتُ، ولن أكون سعيداً.
الثاني — أن أُرضي عقلي. يجب أن يكون عقلي راضياً بالمعلومات التي أتعلّمها كلّ يوم، وأن يجد وقته مصروفاً فيما يستحق. إن لم يرضَ عقلي، لن أكون سعيداً.
الثالث — أن أُرضي قلبي. أريد أن أكون راضياً عمّا أفعل. لا أريد أن أفعل شيئاً لأجل المال، ولا لمجرّد أن أتعلّم، ولا لأشتهر. أريد أن أفعله لأنني قدّمتُ صدقةً — للمجتمع، ولنفسي، ولعيالي، ولمن حولي. شيءٌ أستمتع به ويرضي قلبي.
الرابع — أن أُرضي أمي وأبي. أريد شيئاً يفتخران به. أريدهما أن يقولا إنّ ابنهما قدّم شيئاً. ونعم، هذا يساعدني.
الخامس — وهو الأعلى منها جميعاً — أن أُرضي ربي. أن أتّبع تعليماته وتعليمات رسوله ﷺ في كلّ خطوةٍ أخطوها. هذا الشرط وحده يرجح على ما سواه.
متى يصبح الترك خللاً
هنا يتّضح جوابي عن السؤال الذي فتحتُ به: هل هو مرضٌ أم نعمة؟
الرحيل نفسه ليس المرض. المرض في القراءة الخاطئة له. حين أترك مشروعاً لم يعد يُرضي عقلي، ولا قلبي، ولا مجتمعاتي — فأنا لا أهرب، بل أنحاز إلى ما يستحقّ وقتي. الشروط الخمسة هي البوصلة، والرحيل ليس ضعفاً حين يكون الغياب حقيقياً.
لكنّ الترك يصير خللاً في لحظةٍ واحدة: حين أرحل قبل أن أُقدّم الصدقة — حين يكون الدافع مللاً لا استنفاداً، بحثاً عن الجديد لا أداءً لما يستحقّ. الفرق دقيق لكنه حاسم: أن ترحل لأنّ البئر جفّت شيءٌ، وأن ترحل لأنك سئمتَ حملَ الدلو شيءٌ آخر. الأول أمانة، والثاني هروب. المقياس بسيط: هل أرضيتُ الشروط الخمسة قبل أن أرحل، أم رحلتُ فراراً منها؟
أنت الذي تقرأ
إن وجدتَ عملاً تتحقّق فيه هذه الخمسة، فلا تفرّط فيه. وإن لم تجده بعد، فاسعَ — والله لا يخيّب ظنّ من سعى.
كيف تصل إلى مثل هذا؟ الشركات الناشئة تطمح إلى هذه الأشياء نفسها. هي تبحث عن العلاقات، وعن السمعة، وعن الثقة، فتغطّي ثلاثاً أو أربعاً من الشروط الخمسة — قبل أن يتغيّر تفكيرها إلى منطق الرأسمالية. والباقي يأتي مع الوقت بإذن الله. لا تبدأ شيئاً من الصفر بلا داعٍ؛ فهذه الخمسة ليست جديدةً ولا سرّاً. كلّ واعٍ ذكيٍّ يبحث عنها، وهي معروفة. ولو جلستَ مع نفسك تكتب وتحلّل أفكارك، لوصلتَ إليها.
تمرين واحد: اسأل «لماذا»
أنصحك بأفضل تمرينٍ عرفته: اسأل نفسك «لماذا». أيّ جوابٍ تقوله لنفسك، اسأله: لماذا؟ ثم اسأل ثانيةً، وثالثة. لا بدّ أن تعرف جذر الفكرة، أساسها ومصدرها.
هذا التمرين ليس اختراعي. في نظام إنتاج تويوتا، وضع ساكيتشي تويودا طريقةً يسمّونها «الأسئلة الخمسة»: حين تُعطَّل آلة، لا تصلح العطل الظاهر، بل تسأل «لماذا» خمس مرات متتالية حتى تصل إلى السبب الجذري لا العَرَض. المبدأ نفسه ينطبق على النفس بدقّة: العَرَض الذي تراه في سطح حياتك ليس السبب، والسبب لا يظهر إلا بعد أن تحفر.
أوّل مرة أجريتُ فيها هذا الاختبار على نفسي، دمعت عيني. عرفتُ أنّ السبب الذي كنتُ أبني عليه سيفشل في النهاية، فتغيّر تفكيري مئة وثمانين درجة. اسأل نفسك «لماذا»، وكن صادقاً مع نفسك دائماً، وسترى تغيّراً هائلاً. وستلاحظ فيمن حولك أنك صرتَ تفكّر أفضل — إن واصلتَ السؤال، وكنتَ فضولياً إلى أبعد حدّ لأيّ شيءٍ يحدث.
وابحث عن الموضوع؛ لا تحاول أن تُفتي. تعلّم — لكن ليس بالضرورة أن تصير مثالياً. تعلّم على قدر المعلومة التي تحتاجها، ولا تُبحر أكثر من اللازم فتضيّع وقتك. فالجديد آتٍ، وأنت في طريقك إليه.
بنيتُ أربعين مشروعاً وتركتُها. وبعد كلّ هذا السؤال، عرفتُ الجواب: لم أكن أترك المشاريع — كنتُ أبحث عن الشروط الخمسة. والرحيل نعمةٌ ما دام بحثاً، ولا يصير مرضاً إلا يوم يصير فراراً.
أسئلة كلود
هذا القسم من إعداد «كلود». بعد كتابة المقال، اختبر محرّكُ الذكاء الاصطناعي الذي أبني به عملي الحجّةَ، وطرح ما قد يطرحه القارئ الفطن من أسئلة. لم أُجب عنها بعد — سأجيب حين أتفرّغ، في تحديثٍ للمقال أو في التعليقات. هذا الحوار بيننا جزءٌ من الفكرة نفسها.
١. تفتتح المقال بسؤالٍ عن كون تركِ أربعين مشروعاً مرضاً أم نعمة — فأجبتَ عنه في المتن، لكن بصراحةٍ أكبر: أيّهما هو في أعماقك، ومتى بالضبط يصير الرحيلُ عيباً حقيقياً فيك أنت، لا في غيرك؟
سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.
٢. تقول إنّ الشرط الخامس — إرضاء الله — «يرجح على ما سواه». فلو وُجد مشروعٌ يحقّق هذا الشرط وحده دون الأربعة الأخرى، هل تبقى فيه؟ أم أنّ هذا الشرط لا يُحتسب إلا مجتمعاً مع البقية؟
سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.
٣. تقول إنّ الشركات الناشئة تغطّي ثلاثاً أو أربعاً من الشروط الخمسة قبل أن يتغلّب عليها منطق الرأسمالية. فأيّ شرطٍ يموت أولاً؟ وهل يستطيع المؤسّس أن يصمّم شركته لتحميه من ذلك الموت؟
سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.




