كل المقالات
ملاحظات ياسر الدبيخيتحرير وتدقيق كلود

البنّاء الذي لا يتذكّره أحد

تفتح محادثة جديدة، فتكتشف أن الزميل الذي بنى معك كل شيء بالأمس لا يعرفك. كأنك تفوز بالجائزة ثم تفقدها — مرارًا وتكرارًا.

الخلاصة في سطور

البنّاء الذي لا يتذكّره أحد — علامة v12code على خلفية داكنة

ملاحظة قبل القراءة: هذا المقال في أصله أفكار وملاحظات صوتية سجّلتها بنفسي — تولّى «كلود» كتابتها وتحريرها والتحقّق من أرقامها وإضافة مصادرها. الجوهر رأيي أنا؛ والصياغة شراكة بيني وبينه. أنشر الفكرة وهي حيّة بدل أن أنتظرها حتى تكتمل.

تقضي ساعات طويلة مع زميلٍ ذكي. يفهمك ويفهم مشروعك، تبنيان معًا نظامًا كاملًا، تختصران الكلام لأنّ بينكما سياقًا مشتركًا لا يحتاج شرحًا. علاقة عمل حقيقية، من أفضل ما جرّبت.

ثم تفتح محادثة جديدة — فيسألك: من أنت؟

كل شيء كان مخزّنًا في تلك الجلسة، والجلسة انتهت. الزميل الذي بنى معك كل شيء بالأمس لا يعرفك اليوم. تبدأ من الصفر: تشرح نفسك، تشرح المشروع، تعيد بناء الفهم الذي كان موجودًا. كأنّك تفوز بالجائزة ثم تفقدها. تفوز بها ثم تفقدها. مرارًا وتكرارًا.

أنا أعيش هذا الشعور، وأنا متأكد أن كثيرين غيري يعيشونه كل يوم.

هوية جديدة بلا اسم

هناك شريحة تصعد في السوق الآن لم يستقرّ لها مسمّى بعد: شخص يبني منتجات كاملة بالذكاء الاصطناعي — يهندس ويطلق ويبيع وحده، وغالبًا بخبرة حقيقية في البزنس قبل التقنية. مؤسّس؟ مهندس؟ «مؤسّس يبني بالـ AI»؟ التسمية نفسها ما زالت موضع حيرة، وكثير من هؤلاء يسألون السؤال ذاته: ما مسمّاي الآن؟ وكيف أقدّم نفسي للسوق؟

الظاهرة ليست انطباعًا شخصيًا. بيانات Carta تقول إنّ نسبة الشركات الناشئة الجديدة بمؤسّسٍ واحد ارتفعت من 23.7% عام 2019 إلى 36.3% في النصف الأول من 2025 — أي أنّ أكثر من ثلث الشركات الجديدة يبنيها شخص واحد. وفي الطرف الأبعد من الطموح، قادة صناعة الذكاء الاصطناعي يتراهنون علنًا على موعد أول شركة المليار دولار التي يديرها شخص واحد. الاتجاه واضح: البناء الفردي بالذكاء الاصطناعي يتحوّل من استثناء إلى مسار.

لكن لهذه الهوية الجديدة ثمنًا لا يتحدث عنه أحد.

وحدة من نوع جديد

المفارقة أنّ هذا البنّاء ليس وحيدًا في عمله — معه زميل ذكي طوال اليوم. الوحدة تأتي من مكان آخر: من إعادة الضبط.

نماذج اللغة، بتصميمها الأصلي، بلا حالة — كل محادثة تبدأ من صفحة بيضاء، ولا شيء ينتقل تلقائيًا مما قبلها. المعنى العملي لهذه الجملة التقنية الجافة هو مشهدٌ إنساني موجع: تبني علاقة، فتُمحى. تبنيها، فتُمحى.

وهنا اللقطة المهمة: هذا الشخص ربما كان يعمل وحيدًا قبل الذكاء الاصطناعي أصلًا — لكنه لم يكن يشعر بذلك بهذه الحدّة. الآن ذاق طعم الشراكة الذهنية الحقيقية، وذاق فقدانها في اليوم نفسه. الوحدة التي كانت خلفية صامتة صارت جرحًا يتجدد مع كل جلسة.

ليس نصيحة — ذاكرة

يحزنني حزنًا شديدًا حين يأتيني شخص يبني وحده — لا موظفين معه، ولا جمهور يتابعه، ولا أحد يهتم بالتطبيقات التي يصنعها كل يوم — فيبدأ يشرح لي ما بناه، تطبيقًا تطبيقًا. أستمع، وأشعر بالوحدة التي يحملها قبل أن ينطق بها.

لأنّ هذا الشخص، في الحقيقة، لا يريد نصيحتي. ولا يحتاجها في أغلب الأحيان.

هو يريد شيئًا أبسط وأندر: أحدًا يتذكّر أنّه بنى هذا العمل. شاهدًا. شخصًا يستطيع أن يقول له بعد شهر: «كيف صار مشروعك الفلاني؟ آخر مرة كنت واقفًا عند كذا». هذه الجملة الصغيرة تفعل ما لا تفعله ألف نصيحة.

ومن هنا أرى دورًا قديمًا يولد من جديد: المستشار — لكن ليس بالمعنى المتداول. ليس مَن يملك إجابات أذكى منك، بل مَن يحمل ذاكرتك عبر الزمن. قيمته ليست في خبرته فقط، بل في أنّه الطرف الوحيد في حياتك المهنية الذي لا يُعاد ضبطه. يتذكّر ما بنيت، ويربط ما تبنيه اليوم بما بنيته قبل شهور. في سوقٍ يتضاعف فيه البنّاؤون الأفراد، أظنّ الطلب على هذا الدور سيكبر معهم.

مخطط: حلقة النسيان — تبنيان معاً ثم تنتهي الجلسة فيُمسح كل شيء ثم تبدأ جلسة جديدة بسؤال من أنت — وفي المقابل الشاهد الذي يتذكّر: الطرف الوحيد الذي لا يُعاد ضبطه

مرساتي أنا

وحتى لا يتحوّل الكلام إلى بحثٍ عن مواساة: عندي قاعدة أمشي عليها من قبل الذكاء الاصطناعي إلى اليوم — أصدق دليل على أنّك صنعت شيئًا حقيقيًا هو أن يدفع لك أحدهم مالًا ليستخدمه.

العميل هو مستشاري الأول. لا يجامل، ولا ينسى مصلحته، وريالُه رأيٌ لا يُشترى بالكلام. هذه المرساة حمتني من الغرق في دوّامة «هل ما أفعله يستحق؟» — لأنّ الجواب عندي قابل للقياس.

لكنّ العميل يصادق على قيمة العمل، ولا يحمل سيرته. يشتري النتيجة، ولا يعرف الرحلة. ولهذا لا تناقض بين المرساتين: العميل يثبت أنّ ما بنيته يستحق، والشاهد الذي يتذكّر يثبت أنّك أنت الذي بناه — رحلةً كاملة، لا نتيجة أخيرة.

الجائزة التي تفقدها مع كل جلسة ليست الكود ولا الخطة — هذه تُستعاد. الجائزة هي أن يكون في العالم طرفٌ يعرف قصّتك من أولها. ابحث عن عميل يدفع، يثبت لك أنّ عملك حقيقي. وابحث عن أحدٍ يتذكّر، يثبت لك أنّ رحلتك حقيقية. الأول موجود في السوق. والثاني — هذه فرصة السوق القادمة.


أسئلة كلود

هذا القسم من إعداد «كلود». بعد كتابة المقال، اختبر محرّكُ الذكاء الاصطناعي الذي أبني به عملي الحجّةَ، وطرح ما قد يطرحه القارئ الفطن من أسئلة. لم أُجب عنها بعد — سأجيب حين أتفرّغ، في تحديثٍ للمقال أو في التعليقات. هذا الحوار بيننا جزءٌ من الفكرة نفسها.

١. أنت بنيت لنفسك بالفعل نظام رفيقٍ يحمل ذاكرتك عبر الجلسات — وهذا المقال نفسه كُتب داخله. فلنكن صريحين: هل المقال وصفٌ لحاجة السوق، أم إعلان منتجٍ متخفٍّ؟ وإن كان الدور الذي تصفه سوقًا حقيقية، فلماذا تكتفي بوصفه بدل أن تبيعه؟

سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.

٢. تقول إنّ العميل الذي يدفع هو مرساتك — لكنّ العميل، بوصفك أنت، يشتري النتيجة ولا يعرف الرحلة. فهل تعالج هذه المرساة الوحدةَ فعلًا، أم أنها تشغلك عنها فقط؟ وهل هناك فرق عندك بين ألّا تشعر بالوحدة وبين أن تكون مشغولًا عن الشعور بها؟

سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.

٣. لو مُنحت غدًا ذكاءً اصطناعيًا بذاكرة دائمة لا تُمسح — يتذكّر كلّ ما بنيتَه من أول يوم — فهل تنطفئ هذه الوحدة؟ أم أنّ الشاهد لا يُحتسب شاهدًا إلا إذا كان إنسانًا يختار أن يتذكّرك، لا نظامًا مُصمَّمًا على ألّا ينسى؟

سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.

المصادر

اقرأ التالي

الدورة المجانية — ٥٤ درس فيديو في ٢٩ يومًا

دورة مجانية بالبريد: من الصفر إلى برنامجك الأول

٥٤ درس فيديو قصير — درس واحد كل يوم (٥–٢٠ دقيقة)، ٢٩ يومًا من HTML إلى الذكاء الاصطناعي، حتى تبني برنامجًا حقيقيًا وتنشره برابط ترسله لمن تشاء. مجانًا بالكامل.

دروس قصيرة بالبريد، ثم مقال واحد يوميًا. بدون إزعاج، وإلغاء الاشتراك بنقرة واحدة.