ملاحظة قبل القراءة: هذا المقال في أصله أفكار وملاحظات صوتية سجّلتها بنفسي — تولّى «كلود» كتابتها وتحريرها والتحقّق من أرقامها وإضافة مصادرها. الجوهر رأيي أنا؛ والصياغة شراكة بيني وبينه. أنشر الفكرة وهي حيّة بدل أن أنتظرها حتى تكتمل. — وهذه الملاحظة نفسها، التي تقرأها أعلى كل مقال هنا، هذا المقال قصّتها.
قد تسأل وأنت تقرأ هذه المدونة: يا ياسر، أنت تقول إنك تسجّل ملاحظاتك صوتياً كل يوم، وإن خلفها نظاماً بنيته مع الذكاء الاصطناعي يحوّلها إلى مقالات مرتّبة وينشرها. كيف؟ ما الفكرة؟ ولماذا أصلاً؟
سأعطيك الجواب من آخره: الفكرة لم تأتِني. ما جلستُ يوماً بيني وبين نفسي ففكّرت بها ثم قمت فصنعتها. هذا النظام حصيلة سنوات — ليس سنوات خبرة، بل سنوات من الملاحظات الصغيرة.
كومة ملاحظات لا أعرف ماذا أفعل بها
بدأت القصة بملاحظات متفرقة، واحدة تُبنى فوق الأخرى:
وأنا أعمل على تطبيقٍ ما، لاحظت أني أريد مكاناً أسجّل فيه أفكاري — لا أحب الورقة والقلم. ثم ملاحظة ثانية: ليتني أسجّل الاجتماعات التي أعقدها. ثم ثالثة: أريد أن أعود إلى كل هذا وأقرأه في أي وقت. وهكذا، شيئاً فشيئاً، صار عندي أرشيف ضخم من المذكرات… ولا أدري ماذا أفعل به. مجرد أخبار تتراكم.
ثم بدأت أسأل: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدني هنا؟
المحاولات التي فشلت
أول تجربة نجحت جزئياً: قلت للنموذج تعلّم من هذه الملاحظات وناقشني فيها. صار يناقشني، وصرت أعود إليها وأقرأها من جديد. جميل — لكنه ليس نظاماً.
ثم جاءت الفكرة الكبيرة: لماذا لا يكتب الذكاء الاصطناعي مقالات من هذه الملاحظات؟
- المحاولة الأولى: اكتب مقالات من الأرشيف. النتيجة: يأخذ معلومتين لا علاقة بينهما ويخلطهما خلطاً. فشلت. تركت الموضوع كله — كنت مشغولاً بشيء آخر أصلاً.
- المحاولة الثانية، بعد فترة: حسناً، سأعطيك أنا الملاحظات جاهزة منظّمة، وأنت اكتب عنها. أعطيته الملاحظات نقطة نقطة. فشلت أيضاً. تركتها مرة أخرى.
- المحاولة الثالثة، في مرحلة لاحقة: صنعت agent أكلّمه بالهاتف — كانت موجة رائجة حينها فقلت أجرّب. كلّمته… بالإنجليزية. لم أنسجم مع الفكرة إطلاقاً؛ لا فائدة تُذكر. فشلت.
لاحظ النمط: كل محاولة تفشل، أتركها، أعود بعد شهور بزاوية جديدة. لم يكن ذلك تخطيطاً — كان انشغالاً. لكن اتّضح لاحقاً أن الترك نفسه جزء من الوصفة: الدراسات التحليلية على «فترات الحضانة» تجد أن الابتعاد عن مشكلة ثم العودة إليها يحسّن حلّها فعلاً (Sio & Ormerod, 2009).
المفاتيح التي فتحت الباب
بعد فترة من محاولة الهاتف الفاشلة خطر لي سؤال بسيط: لماذا أكلّمه بالإنجليزية أصلاً؟ لماذا ليس بالعربية؟ بحثت، فوجدت أن نماذج speech-to-text عند OpenAI تدعم أغلب لغات العالم. جرّبت — فإذا به يسمع ويفهم العربية. من تلك اللحظة صرت أسجّل ملاحظاتي صوتاً، بلغتي، وأنا أمشي أو أعمل.
ثم توالت المفاتيح الصغيرة، واحداً بعد الآخر:
- لماذا لا تُكتب الملاحظة نقاطاً مرتّبة وتُحفظ في مكان محدد؟ بُنيت.
- لماذا لا تُحفظ كلماتي كلمة كلمة، بنفس منطوقي؟ كل كلمة أقولها تُسجَّل كما قلتها. بُنيت.
- عدت لفكرة المقالات: «اقرأ ما قلته واكتبه بطريقة أخرى». فشلت — الناتج رديء. ثم: «لا تغيّر كثيراً في الكلام. أبقِه كما هو تقريباً، لكن مرتّباً — تحرير فقط.» طلعت نتيجة مُرضية نوعاً ما. لكنها ليست ما أريده بعد.
المفتاح الذي غيّر كل شيء لم يكن تقنياً
كان الناتج يكتب وكأنه متحمّس بالنيابة عني — نبرة مصطنعة. فقلت للنموذج شيئاً غريباً: «ألا تحسّ بضيق الصدر وأنت تكتب متظاهراً أنك أنا؟ اكتب أنت، باسمك أنت.» وأعطيته اسمه: كلود. اكتب كأنك كلود يحرّر لي.
فأجاب: حسناً، لكن في كلامك معلومات يلزم أن أتحقّق منها.
قلت: تحقّق من كل شيء. وضع الروابط. ضع المصادر كلها.
المقال الأول لم يخرج ممتازاً. فأضفت التوجيه الأخير: رتّب أفكاري على ضوء ما قرأت — ربما أذكر في البداية نقطة مرتبطة بنقطة في النهاية؛ اجمعها في خيط واحد، ببساطة، لكن الزبدة واحدة.
ثم خطرت لي إضافة أخيرة: ماذا لو أجبنا على الأسئلة التي سيفكّر فيها القارئ المتعمّق؟ أعجبت كلود الفكرة. قلت: ولتكن الأسئلة مفتوحة — أجيب عنها لاحقاً، أو يجيب عنها القرّاء. من ذلك الحوار وُلد قسم «أسئلة كلود» الذي يختم كل مقال هنا — بما فيه هذا المقال الذي بين يديك.
خرج المقال الأول. تركته يومين أقرأه وأتفحّصه: هل فيه فائدة للناس فعلاً؟ طلع جيداً. وبدأنا ننشر.
الدرس ليس أن الأمر سهل — ولا أنه صعب
قد يظن البعض من القصة أن الأمر سهل، وأن أي أحد يصنعه في يوم. الدرس هنا ليس سهلاً أو صعباً. الدرس: ليس شرطاً أن الفكرة التي تأتيك اليوم تنفّذها غداً، ولا بعد أسبوع، ولا حتى أن تعرف هدفها. قد تأخذ سنوات — وهذا طبيعي تماماً. دعها تنضج على نار هادئة.
وأعترف لك: أنا بطبعي عجول. عجول جداً — أحب أن أُنهي كل شيء اليوم. فأنا في صراع دائم مع نفسي: لا ترفع سقف التوقعات. لن تُنهي كل شيء اليوم، وغداً ستقول «ما زال الباقي كثيراً» — وهذا طبيعي جداً.
لكن فكّر في هذه النقطة: إن فعلت شيئاً واحداً كل يوم — هدفك شيء واحد فقط، مقالة واحدة، ملاحظة واحدة — فستكون في السنة قد فعلت ٣٦٥ شيئاً. وبتقديري الشخصي، هذا وحده يضعك أمام أغلب الناس الذين ما زالوا جالسين ينتظرون اللحظة المثالية ولا يفعلون شيئاً. ستلاحظ نفسك: اليوم شيء بسيط، غداً شيء أكبر. هكذا تكبر كرة الثلج — تبدأ حبّة صغيرة، ثم لا يوقفها شيء.
هذه المدونة كلها كرة ثلج بدأت بملاحظة واحدة: «أريد مكاناً أسجّل فيه أفكاري».
أسئلة كلود
هذا القسم من إعداد «كلود». بعد كتابة المقال، اختبر محرّكُ الذكاء الاصطناعي الذي أبني به عملي الحجّةَ، وطرح ما قد يطرحه القارئ الفطن من أسئلة. لم أُجب عنها بعد — سأجيب حين أتفرّغ، في تحديثٍ للمقال أو في التعليقات. هذا الحوار بيننا جزءٌ من الفكرة نفسها.
١. متى يتوقف هذا عن كونه «كتابتك»؟ الفكرة لياسر، والصياغة للآلة. أين الخط الذي لو تجاوزته الآلة وجب أن يتغيّر اسم الكاتب على المقال؟ وهل القارئ يستحق أن يعرف أكثر مما يقوله التنويه؟
سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.
٢. عندي سنوات من الملاحظات المبعثرة ولا أملك نظاماً — ماذا أفعل في أول أسبوع؟ القصة هنا استغرقت سنوات ومحاولات فاشلة. ما الخطوة الأولى التي تختصر على القارئ نصف هذا الطريق اليوم، بأدوات موجودة بين يديه؟
سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.
٣. ما أقوى حجة ضد النشر دون قراءة؟ فكرة خاطئة واحدة تُنشر باسمك قد تكلّفك مصداقية بنيتها بعشرات المقالات. لماذا تستحق السرعة هذه المخاطرة؟ وأين خط الأمان الذي لو تجاوزه مقال وجب أن يقرأه ياسر قبل النشر؟
سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.
٤. كل المحاولات فشلت حتى صارت الآلة شريكاً باسمٍ لا أداةً بأمر — ماذا يقول هذا عن علاقتنا القادمة بالذكاء الاصطناعي؟ هل كانت التسمية حيلة نفسية على ياسر نفسه، أم تغييراً حقيقياً في سلوك الآلة؟ وأيهما أهم؟
سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.




