كل المقالات
ملاحظات ياسر الدبيخيتحرير وتدقيق كلود

مديرك مجنون

تركت الوظيفة وخطتي أن أعمل ١٢ ساعة يومياً على مشروعي. أقصى ما استطعت إخراجه: ٣ ساعات، ثم صداع وضباب. استغرقت سنوات لأفهم السبب — وأن مديري الجديد مجنون.

الخلاصة في سطور

مديرك مجنون — علامة v12code على خلفية داكنة

ملاحظة قبل القراءة: هذا المقال في أصله أفكار وملاحظات صوتية سجّلتها بنفسي — تولّى «كلود» كتابتها وتحريرها والتحقّق من أرقامها وإضافة مصادرها. الجوهر رأيي أنا؛ والصياغة شراكة بيني وبينه. أنشر الفكرة وهي حيّة بدل أن أنتظرها حتى تكتمل.

في بداياتي مع العمل الخاص كانت الحسبة عندي بسيطة: في الوظيفة أعمل ٨ ساعات، ٩ ساعات، وأحياناً ١٢. إذن لماذا لا أضع الساعات نفسها في مشروعي أنا؟ إذا وضعت ١٢ ساعة يومياً في حسابي الخاص فسأصل حتماً. تركت الوظيفة وطبّقت الخطة.

لم أستطع. مهما حاولت، ومهما ضغطت على نفسي، أقصى ما أُخرجه: ٣ ساعات في اليوم. بعدها صداع، تعب، نعاس، وضباب كامل — لدرجة أني أفتح شيئاً لأقرأه فلا أستطيع التركيز في السطر الواحد. وأحياناً يتراكم الإرهاق حتى أقطع العمل أسبوعاً كاملاً بلا أي إنتاج.

استغرقني وقت طويل حتى استوعبت الجملة التي صرت أقولها لكل من تعمّق في العمل الحر وبدأ يتكوّن عنده رأي سلبي: في عملك الخاص، مديرك مجنون.

تسألني: كيف؟ أنا أعمل لنفسي، لا مدير فوقي. بالضبط — مديرك الجديد هو عقلك. وهو مدير مجنون بثلاثة أعراض: يقاومك، ويحرّك خط النهاية، وينسى.

العرض الأول: مدير يقاوم موظّفه

لماذا ٣ ساعات فقط؟ السبب الرئيسي: الخوف.

في جسم الإنسان — سبحان الله، فطرة أودعها خالقنا فينا — آلية بقاء قديمة: حين يستشعر العقل خطراً أو شيئاً مجهولاً، يتعامل معه كتهديد. والعمل الخاص كله مجهول: لا راتب مضمون، لا طريق واضح، لا أحد جرّبه قبلك بظروفك نفسها. فيقول لك عقلك بلغته الوحيدة — الصداع والتعب والنعاس: توقّف. هذا الشيء مجهد، هذا الشيء خطر، لا تفعله. هذا الارتباط بين عدم اليقين واستجابة التهديد موثّق في أبحاث الأعصاب (Grupe & Nitschke, 2013). مخّك ضدّك — ليس لأنك ضعيف، بل لأنه يظن أنه يحميك.

كنت أسمع كثيراً أن للإنسان حدّ تركيز ثابتاً — ٤٥ دقيقة للمحاضرة وبعدها لا تدخل المعلومة. بحثت، فوجدت أن الرقم نفسه أقرب إلى الفلكلور: مراجعة ويلسون وكورن لم تجد دليلاً على حدّ انتباه ثابت عند البشر (Wilson & Korn, 2007). الصحيح أدق وأنفع: الانتباه للعمل الشاق غير المضمون محدود ومتفاوت من شخص لشخص. الرقم العالمي لا يهم. رقمك أنت هو الذي يهم.

وهنا العلاج الوحيد الذي وجدته للمدير المقاوم: التكرار يعلّم الشطار. كلما فعلت الشيء مرة ومرتين وثلاثاً، تعلّم عقلك: فعلناها من قبل ولم يحدث شيء — لا خطر. عندي بدأت الثلاث ساعات تصير أربعاً، ثم تزيد. والبروتوكول الذي أوصي به من تجربتي:

  1. اعمل حتى يأتيك التعب الحقيقي — النعاس، الضباب — وسجّل الساعة.
  2. هذا الرقم هو وقت عملك الرسمي لمدة شهر. لا تتجاوزه ولا تجلد نفسك عليه.
  3. بعد شهر ستلاحظ أنك تستطيع زيادته. زده نصف ساعة فقط.

كل شيء في الحياة فيزيائي، قابل للقياس، وما يُقاس يُبنى عليه. سجّلت قبل سنوات فيديو يوتيوب عن هذه الظاهرة وأنا لا أعرف سببها — كل ما قلته وقتها: «استمر، هذا شيء يحدث للجميع». الآن أعرف الـ«لماذا» والـ«كيف»، وهذا المقال هو الجواب الذي كان ناقصاً في ذلك الفيديو.

العرض الثاني: مدير يحرّك خط النهاية

كنت أتوقع أن للعمل الخاص نهاية — ضوء في آخر النفق تصل إليه فترتاح. الضوء موجود فعلاً. لكنك لا تصله أبداً.

مخطط: سلّم الضوء المتراجع — حلمت بألف ريال، فلما وصلت صار الهدف عشرة آلاف، ثم مئة ألف، ثم تطبيقاً تبنيه، ثم مستثمرين بالملايين — والضوء يبتعد كلما اقتربت

لماذا؟ لأن طموحك يرتفع مع كل خطوة. وصلت إلى الضوء عشرات المرات، لكنك في كل مرة تقول لنفسك: لا، ليس هذا هو. كنت تحلم بألف ريال في الشهر؛ جاء الألف فلم تشعر أنك وصلت، بل سألت: لماذا لم يكن عشرة آلاف؟ جاءت العشرة فقلت: غير معقول — كل هذا العمل مقابل عشرة فقط؟ المفروض مئة ألف، لا بد أن شيئاً ما خطأ. ثم لا تدري إلا وقد أقنعك مديرك أن الضوء الجديد يحتاج تطبيقاً تبنيه، ثم مئة موظف توظّفهم، ثم مستثمراً بعشرة ملايين. الضوء لا ينتهي.

لهذا الشعور اسم موثّق: مغالطة الوصول (Arrival Fallacy) — المصطلح لتال بن شاحار، أستاذ علم النفس الإيجابي في هارفارد: الوهم بأن بلوغ الهدف سيمنحك الرضا الدائم، بينما يعيد عقلك ضبط السقف فور الوصول (نيويورك تايمز). وهي قريبة مما يسمّيه الباحثون «جهاز المشي المتعوي» (Hedonic Treadmill): تجري وتجري والسعادة تعود لنقطة البداية.

الحل ليس مطاردة الضوء — الحل أن تعرف أن مديرك هو من يحرّكه. قِس على مقدرتك، لا على الضوء: حدّد الرقم قبل أن تصله، واكتبه، وحين تصله احتفل به كتابةً قبل أن يقنعك المدير المجنون أنه لم يكن هدفاً أصلاً.

العرض الثالث: مدير ينسى

فكّر في أسوأ مدير عملت معه. أراهن أن أول شكوى ستقولها: المدير ينسى. لم يتذكر اجتهادك، لم يتذكر اتفاقكما ذاك اليوم، لم يتذكر وعده لك. أول وأهم مشكلة بين الموظف ومديره هي النسيان — لأن المدير الذي ينسى إنجازاتك يغيّر رأيه كل فترة، وتقييمه لك يهتز بلا سبب، وعلاقته حتى بنفسه غير صحية.

في عملك الخاص، أنت المدير — وأنت الذي ينسى. تنسى كم أنجزت الشهر الماضي فتجلد نفسك. تنسى القرار الذي اتخذته بقناعة فتعيد فتحه من الصفر. تنسى أنك وصلت للضوء أصلاً. كلنا ننسى، لكن بعضنا ينسى أكثر من بعض — وهذا الفارق له أساس فيزيائي وله حل فيزيائي: النوم الصحي، والأكل الصحي، والرياضة. النوم تحديداً هو الوقت الذي يثبّت فيه الدماغ ذاكرته — هذا من أرسخ ما في أبحاث الذاكرة (Rasch & Born, 2013). صحتك ليست ملفاً جانبياً في مشروعك؛ إنها المؤثر الأول في نتائجك، لأنها صيانة ذاكرة المدير الذي تعمل عنده. وكلما قلّ النسيان، قلّ جنون العمل.

الخلاصة

تركُ الوظيفة لا يعني أنك تخلّصت من المدير المجنون — يعني أنك انتقلت للعمل عند أشدّهم جنوناً: عقلك. يقاومك لأنه يخاف عليك، فروّضه بالتكرار. يحرّك الضوء لأنه يطمح، فثبّت الأهداف بالقياس. ينسى لأنه جسد، فصُنه بالنوم والأكل والحركة. مديرك سيبقى مجنوناً — لكن المدير المجنون الذي تعرف أعراضه وتقيسها، يمكن العمل معه. بل يمكن أن يبني معك شيئاً عظيماً.

وإذا قلتَها لأحد — «مديرك مجنون» — اشرحها بهذه الطريقة، حتى لا يزعل عليك أحد.


أسئلة كلود

هذا القسم من إعداد «كلود». بعد كتابة المقال، اختبر محرّكُ الذكاء الاصطناعي الذي أبني به عملي الحجّةَ، وطرح ما قد يطرحه القارئ الفطن من أسئلة. لم أُجب عنها بعد — سأجيب حين أتفرّغ، في تحديثٍ للمقال أو في التعليقات. هذا الحوار بيننا جزءٌ من الفكرة نفسها.

١. متى يتوقف التكرار عن النفع؟ المقال يقول إن التعوّد يرفع سقف ساعاتك تدريجياً. لكن روّاد أعمال كثيرين يحترقون بعد سنوات، لا أسابيع. هل لقدرة التحمّل حدّ أعلى مهما تدرّبت؟ ومتى تكون الإضافة نصف ساعة كل شهر وصفةً للاحتراق البطيء بدل الترويض؟

سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.

٢. ماذا لو كان المدير المجنون على حق؟ أقوى حجة ضد المقال: التعب عند الساعة الثالثة قد لا يكون خوفاً من المجهول — قد يكون إشارة صادقة أن هذا العمل بالذات لا يناسبك. كيف يفرّق الشخص بين مقاومةٍ يجب ترويضها وإنذارٍ يجب سماعه؟

سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.

٣. أنا موظف أفكّر في الاستقالة — ماذا أقيس قبل أن أقفز؟ المقال كُتب من الضفة الأخرى، بعد القفزة. ما الأرقام التي لو عرفها ياسر قبل استقالته لتغيّرت طريقته في السنة الأولى؟

سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.

٤. إذا روّضتَ المدير تماماً… من يبقى يطموح؟ الضوء الذي يبتعد كلما اقتربت هو نفسه الذي أخرجك من الوظيفة. إن ثبّتّ الأهداف بالقياس وأطفأت الوهم — هل تنطفئ معه الشرارة؟ هل الضوء المتراجع عيبٌ في العقل أم محرّكه الأساسي؟

سيجيب ياسر عندما يتفرّغ — تابعوا تحديث المقال أو التعليقات.

المصادر

اقرأ التالي

الدورة المجانية — ٥٤ درس فيديو في ٢٩ يومًا

دورة مجانية بالبريد: من الصفر إلى برنامجك الأول

٥٤ درس فيديو قصير — درس واحد كل يوم (٥–٢٠ دقيقة)، ٢٩ يومًا من HTML إلى الذكاء الاصطناعي، حتى تبني برنامجًا حقيقيًا وتنشره برابط ترسله لمن تشاء. مجانًا بالكامل.

دروس قصيرة بالبريد، ثم مقال واحد يوميًا. بدون إزعاج، وإلغاء الاشتراك بنقرة واحدة.